تعتمد العديد من الدول الإفريقية على المساعدات والمنظمات الدولية، التى تسدد احتياجات الملايين عبر العالم، وبشكل خاص فى القارة الإفريقية التى تعانى من أزمات طاحنة ما بين تزايد أعمال العنف وانتشار الحروب وموجات من الجفاف والتغيرات المتطرفة فى المناخ.
وخفض التمويل لهذه المنظمات، والتراجع الحاد فى المساعدات قد يجبر عشرات الملايين فى جميع أنحاء العالم الذين يعتمدون على المساعدات الغذائية على عيش حياة مستحيلة، ويدفعهم على حافة المجاعة، وفقا لتحذير من برنامج الغذاء العالمى.
ولم يتلق برنامج الغذاء العالمى، التابع للأمم المتحدة سوى 1.57 مليار دولار من أصل 21.1 مليار دولار مطلوبة لدعم عملياته هذا العام، حيث تم خفض التبرعات بنسبة 40 فى المائة بعد تخفيضات من المانحين الرئيسيين مثل الولايات المتحدة.
ويُعطى برنامج الأغذية العالمى الأولوية للدول الأكثر احتياجًا، ويُفرط فى توفير الحصص الغذائية فى الخطوط الأمامية، وقالت رانيا داجاش كامارا المديرة التنفيذية المساعدة لبرنامج الأغذية العالمى لشئون الشراكات والابتكار: "بينما نبذل قصارى جهدنا لخفض التكاليف التشغيلية، لا شك أننا نواجه أزمة تمويلية ذات عواقب وخيمة".
وتابعت: "إن برامج التغذية الطارئة لا تنقذ الأرواح وتخفف المعاناة الإنسانية فحسب، بل إنها تجلب الاستقرار الذى تشتد الحاجة إليه للمجتمعات الهشة، والتى قد تتدهور حالتها عندما تواجه جوعاً شديدا".
وتهدد هذه التخفيضات الجذرية البرامج العالمية للمنظمة فى 28 منطقة، بما فى ذلك غزة، والسودان، وسوريا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
مع اقتراب موسم الأمطار فى جنوب السودان الذى يخيم عليه حالة من عدم الاستقرار ومزقته أعمال العنف، فإن ثلثى سكانه البالغ عددهم 12.7 مليون نسمة والذين يواجهون انعدام الأمن الغذائى الحاد قد يعانون من مزيد من الجوع.
إذ يقدم برنامج الأغذية العالمى مساعدات غذائية لـ 2.3 مليون شخص فى هذا البلد الواقع فى شرق أفريقيا ممن فروا من الحرب والظواهر المناخية المتطرفة والركود الاقتصادي. وقد فرّ أكثر من مليون شخص إلى هذا البلد الفقير من السودان المجاور بعد اندلاع الحرب بين الجيش السودانى والدعم السريع فى إبريل 2023.
ومن جهة أخرى، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن النقص فى الإمدادات الطبية من المرجح أن يؤدى إلى تفاقم الأزمة فى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية الذى مزقته الصراعات، مع وصول النظام الصحى العام إلى حافة الانهيار وارتفاع حالات تفشى الفيروسات.
فبعد الاشتباكات الأخيرة فى واليكالى، فى الجزء الغربى من مدينة جوما، يسعى ما يقرب من 700 شخص إلى العلاج فى المستشفى، لكن تخفيضات التمويل وتفشى الأمراض ومنع المساعدات تعوق قدرتهم على الحصول على الرعاية الصحية.
وقال الدكتور ثيرنو بالدى، مدير الحوادث فى منظمة الصحة العالمية فى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، إن نحو 2000 شخص لقوا حتفهم حتى الآن، مضيفًا أن الأزمة تؤثر أيضًا على الدول المجاورة مثل بوروندى ورواندا وأوغندا وتنزانيا.
وقال إن واحدا من كل عشرة أشخاص مصابين بالكوليرا يموت حاليا فى تفش كبير للمرض بالقرب من الحدود الكونغولية مع بوروندي.
وقال الدكتور بالدى إن المنطقة تشهد ارتفاعًا فى حالات تفشى الأمراض المعدية، بما فى ذلك الكوليرا والملاريا، وأن الوضع الإنسانى المتردى يؤدى إلى ارتفاع معدلات الوفيات.
وتبذل فرق الطوارئ الطبية قصارى جهدها، وتحشد السكان المحليين لتقديم دعم إضافى فى مجال الرعاية الصحية، وقد تمكنت منظمة الصحة العالمية مؤخرًا من شحن 20 طنًا من الإمدادات الطبية عبر الطرق البرية من أوغندا عبر كينيا وتنزانيا إلى جوما، مما وفّر بعض الإغاثة، ولكن كما أوضح السيد بالدى، فإن كل هذا ليس سوى قطرة فى بحر فى بلدٍ يعانى فيه 50 مليون شخص من الأزمة.
ويهدد خفض تمويل المساعدات الإنسانية بشكل مباشر نصف سكان شمال كيفو، البالغ عددهم أربعة ملايين نسمة، وحذّر السيد بالدى من أن "لقاحات التحصين الروتينى أوشكت على النفاد فى جوما".
وفى ظل الخطر الوشيك المتمثل فى نفاد اللقاحات، أضافت السيدة مارجريت هاريس، المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية، أن هذا الأمر يثير قلق العالم أجمع.
وقالت: "الأمراض المُعدية لا تكترث بالحدود، ولا بالانتخابات ولا بالحكومات، إذا لم تُلقّح فى كل مكان، ستُصاب بها فى كل مكان".
وفى ظل إعلان الحكومة الأمريكية تعليق تمويلها للتحالف العالمى من أجل اللقاحات (GAVI)، وهو تحالفٌ يُعنى بتوفير التطعيمات للأطفال فى الدول الفقيرة، أُعلن أن ما يُقدر بـ 154 مليون شخص قد أُنقذوا خلال الخمسين عامًا الماضية بفضل حملات التطعيم العالمية. واختتمت حديثها قائلةً: "من الجنون عدم الاستثمار فى التطعيم".
وفى دليل آخر على التهديدات الصحية الناجمة عن خفض التمويل، صرح آلن ماينا، رئيس الصحة العامة فى مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، بأن ما يقرب من 13 مليون نازح، بما فى ذلك ستة ملايين طفل "معرضون لخطر عدم القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية والتغذية المنقذة للحياة".
وأكد ماينا أن الأمراض المعدية مثل الكوليرا والتهاب الكبد والملاريا أكثر عرضة للتفشى، وشدد على أن المشكلة لا تنبع فقط من "المستشفيات وأنظمة الرعاية الصحية المكتظة"، ولكن أيضًا من تعطل أنظمة إمدادات المياه ومرافق الصرف الصحى وإدارة النفايات.
وأضاف ماينا أن "هذا الوضع مدمر، لكنه يأتى فى ظل العجز الطويل الأمد فى المساعدات الإنسانية"، مسلطا الضوء على أنه فى منطقة جامبيلا فى إثيوبيا، تم إغلاق العمليات فى أربعة من أصل سبعة مواقع للاجئين مؤخرا بسبب تخفيضات التمويل.
وقال إن "99 طفلاً يعانون من سوء التغذية الحاد اضطروا إلى الخروج من المستشفى على الفور لأن البرامج اضطرت إلى الإغلاق"، مؤكداً أنه بالنسبة لـ 980 طفلاً يعانون من سوء التغذية الحاد، ولم يكن هناك سوى اثنين من الموظفين المتاحين.