الجمعة، 21 فبراير 2025 08:21 م

"الدفع للانتحار".. هل يوجد قانون يعاقب المتسبب فى دفع شخص لإنهاء حياته.. تباينت الأراء حول تجريم التحريض أو المساعدة.. وقانونيون: "فراغ تشريعى" لعقوبته.. وتكييف الواقعة الاشتراك في جريمة القتل بالتحريض

"الدفع للانتحار".. هل يوجد قانون يعاقب المتسبب فى دفع شخص لإنهاء حياته.. تباينت الأراء حول تجريم التحريض أو المساعدة.. وقانونيون: "فراغ تشريعى" لعقوبته.. وتكييف الواقعة الاشتراك في جريمة القتل بالتحريض الشاب المنتحر
الخميس، 20 فبراير 2025 08:00 م
كتب علاء رضوان

أقدم شاب عشريني على إنهاء حياته عن طريق تناول "حبة الغلة" السامة خلال بث مباشر عبر حسابه في موقع التواصل "فيس بوك"، وذلك بعد أن تحدث الشاب من محافظة الدقهلية في بث مباشر عن التخلص من حياته بتناول حبوب الغلال السامة، بعدما حرضه شاب أخر عبر الكومنتات بتناول حبة غلة سامة، فاستجاب له الشاب المنتحر، وقال: "أنا أخدت حباية الغلة وذنبي في رقبة كل اللي ظلمني ومش مسامح كل من ظلمني".

 

وواصل خلال مقطع الفيديو يبدو فيه أنه يتحدث مع شخص آخر يحاول إثناءه عن تصرفه قائلًا: "فاكرني بضحك وربنا أخدت حبيتين غلة"، وتلقت الأجهزة الأمنية في الدقهلية إخطارا من شرطة النجدة يفيد باستقبال مستشفى منية النصر شابا في العقد الثاني من عمره بادعاء تناول حبة غلة سامة - وعلى الفور - نقل الشاب مصطفى محمد مصطفى عبده، البالغ من العمر 22 عاما ويقيم بقرية برمبال الجديدة، إلى المستشفى حيث تلقى الإسعافات الأولية في قسم العناية المركزة إلا أنه فارق الحياة في النهاية. 

 

480467135_122112262466752802_246065334926550225_n

 

"الدفع للانتحار".. هل يوجد قانون يعاقب المتسبب فى دفع شخص لإنهاء حياته

 

وفى الحقيقة تناول العديد من الفقهاء والدستوريين مسألة "الانتحار" من الناحية العملية والقانونية، والعقوبات المقررة حال التحريض عليه، بينما اختلف البعض حول مدى معاقبة "المنتحر" حال فشله في تنفيذ مخططه أم لا، وذلك حتى لا يعاود كرة الانتحار مرة أخرى بعد تطبيق العقوبة عليه أو عند محاولة اعتباره متهم، وذلك في محاولة لتخفيف وطأة الأسباب التي أدت إلى محاولة انتحارها، ومحو وإزالة الصورة التي رسمها في خياله للواقع الذي يعيش فيه.

 

ولكن في الحقيقة لم يتطرق المشرع لمسالة عقوبة من يتسبب في وصول الشخص لأن ينتحر، أو بمعنى أدق إذا كان المنتحر ممن له الحق في ولايته ورعايته والمسئول عنه ولو بشكل مؤقت، حيث أن هذا الأمر به "فراغ تشريعي" داخل قوانين العقوبات المصرية والعربية، على الرغم من وجود تطور كبير في التشريعات العربية خلال السنوات الماضية، وذلك في محاولة لمواكبة الجريمة وانتشارها سواء كانت جريمة الكترونية أو جريمة تتعلق بالطفل أو المرأة وهي جرائم كان يغفل عنها المشرع قبل ذلك ثم تطرق تصدى لها مع ازديادها، والآن أصبحنا نواجه جريمة تهدد المجتمع الإنساني بصفة عامة.. والسؤال هنا لماذا لا يتطرق المشرع لعقوبة المتسبب في دفع شخص للانتحار؟  

 

ةةء

 

لم يتطرق المشرع لمسألة عقوبة من يتسبب في وصول الشخص لأن ينتحر

 

من جانبه – يقول الخبير القانوني والمحامي بالنقض محمد ميزار - لم يتطرق المشرع لمسألة عقوبة من يتسبب في وصول الشخص لأن ينتحر، أو إذا كان المنتحر ممن له الحق في ولايته ورعايته، والمسئول عنه حيث أن هذا الأمر به "فراغ تشريعي" داخل قوانين العقوبات المصرية والعربية، والعقوبة تطبق من واقع الجُرم المرتكب علي كل شخص يمارس اضطهاد أو قهر أو احتقار أو سوء معاملة على شخص آخر أو تمييز بين ذكر وأنثي بصفة مستمرة أو على فترات متقطعة ينجم عنها أمراض نفسية وعصبية أو شعور بالاكتئاب والعزلة وفقدان الأمل والرغبة في الحياة وتدفعه للانتحار.

 

وبحسب "ميزار" في تصريح لـ"برلمانى" - وتغلظ العقوبة إذا وقعت تلك الأفعال ممن له حق الرعاية والتربية وحق الولاية وتكون العقوبة هي جريمة "قتل غير عمدية"، وهذا الأمر تكرر في المجتمع لأكثر من حادثة انتحار البواعث والدوافع خلفها هي اتساع فجوة التفاهم والاحتواء بين المنتحر وأفراد أسرته، ولطالما تحدثنا عن آفة اجتماعية شديدة الخطورة وهي الإهمال الأسري وهي أحد أهم الأسباب التي تنتهي حتماً بجرائم داخل محيط الأسرة، وهو الأمر الذى يحتاج منا تسليط الضوء عليه، نظرا لخطورة هذا الأمر في أن يقدم شخص على إنهاء حياته وبنفسه هروباً من واقع يراه مؤلماً وخذلان من المحيطين به. 

 

17281-الفرق_بين_المحكمة_الإدارية_والمحكمة_العادية

 

"فراغ تشريعي" في القوانين العربية

 

ووفقا للخبير القانوني: وهذا الأمر من منطلق ما أوصت به منظمة الصحة العالمية بما وصفته تقييد وسائل الانتحار لمحاصرة ومنع المقدم عليه من تحقيق هدفه، وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن الانتحار شكل السبب الثاني لوفاة فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و29 حيث يبلغ عدد المنتحرين سنوياً بحسب منظمة الصحة العالمية أكثر من 800 ألف شخص على مستوى العالم، الأمر الذي يمكن أن يشكل مأساة لملايين من الأشخاص المتصلين بهم بشكل مباشر أو غير مباشر.

 

ويضيف: ومعظم الدول الغربية قد تقدمت على التشريعات العربية فيما يتعلق بالجانب المعنوي والنفسي وممارسة الضغوطات وسوء المعاملة سواء كان هذا الأمر بإتيان أفعال من شأنها أن تحدث ذلك أو بطريق الامتناع عن أفعال تؤدي نفس النتيجة كجرائم الإهمال الأسري والاجتماعي وخلافه، وأن كان قانون العقوبات المصري شأنه شأن كافة قوانين العقوبات في الدول العربية قد جرم الشروع في الانتحار، وكذلك التحريض عليه إلا أنهم جميعاً أغفلوا جريمة ما يعرف "الدفع للانتحار"، وهو أمر له ضرورة ملحه لمحاصرة وتقييد ومنع المنتحر من الوصول إلى هدفه. 

 

جججثث

الخبير القانونى والمحامى بالنقض محمد ميزار  

 

عقوبة المحرض على الانتحار

 

وفى الحقيقة فإن القانون لم يجرم فعل الشروع في الانتحار، فإن من هانت عليه نفسه فلا وسيلة لعقابه، فالأعراف القضائية فسرت إزهاق الروح على أنها إزهاق روح شخص لشخص آخر، إذن فلا عقاب على الشروع في الانتحار وهذا لأمرين:

 

1- أن العقوبات لحفظ حق المجتمع وحمايته، والذي شرع في الانتحار لا يشكل فعله خطراً أو جناية على المجتمع.

 

2- انعدام القصد الجنائي وهو الركن المعنوي للجريمة من ناحية الإدراك الكامل والتام لخطورة الانتحار.

 

وأوضح "ميزار": كما أن القانون جرم جريمة التحريض علي الانتحار لأنها تبث روح الاحباط والانهزام في نفوس المواطنين، لأن ما يفعله المحرض جريمة يعرض فيها اسمي شئ وهو جسد الانسان للخطر فإزهاق الروح بقتل الجسد سواء بالانتحار أو غيره يعد سلوك إجرامي معاقب عليه قانونا طبقا لنص المادة 177 من قانون العقوبات: "يعاقب بنفس العقوبات كل من حرض غيره على عدم الانقياد للقوانين، وذلك لقيام المحرض بتحسين أمر يعد جناية في القانون وهو التحريض علي الانتحار، كما يجب محاسبة كل من يبث أخبار كاذبة أو إشاعات من شأنها بث روح الاحباط لدى المواطنين، حتى نحد بقدر الإمكان من الانتحار. 

 

ظظس

 

أما عن الغرامات المالية

 

أما عن الغرامات المالية للذي فشل في تنفيذ انتحاره، فإنه لا يوجد نص في القانون يلزم الشخص الذي حاول الانتحار بدفع غرامة مالية أو غيره، لكن إذا أثبتت التحقيقات وجود شخص ساعد المنتحر أو حرضه على الانتحار، أو ساعده بأي شكل من الأشكال في تنفيذ ذلك، فإنه يعاقب عقوبة الاشتراك في جريمة القتل بالتحريض، حيث أنه في حال إثبات التحقيقات أن هناك شخص ما ساعد المنتحر على تنفيذ ذلك، فإنه يعاقب بالسجن من 3 سنوات إلى 15 سنة.

 

رأى قانونى أخر 

 

بينما يرى أخرون من الفقهاء والدستوريين أن هناك فراغا تشريعيا بشأن الانتحار بصفة عامة، فلا يوجد تجريم للتحريض على الانتحار أو المساعدة على تنفيذه، أو الترويج للأفكار الانتحارية، أو الإلزام بالعلاج والتأهيل لمن يشرع في الانتحار على غرار العديد من التشريعات العربية والأجنبية، باعتبار إن أسباب الانتحار ليس لها أي علاقة بالتشريع من قريب أو من بعيد، وأن عقاب المشرع للمحرّض على الانتحار لن يؤثر على من ينوى التخلص من حياته، ولأن الشريك في عملية القتل وفقا للقانون، يستمد إجرامه من الفاعل الأصلي، فإذا كان الفاعل الأصلي هو المنتحر الذي أنهى حياته بيده، والانتحار ليس جريمة، فبالتالي الاشتراك بها سواء عن طريق التحريض على الانتحار، أو إلحاق الأذى النفسي بالمنتحر، سيعتبر قانونيا ليس جريمة أيضا.

 

رجب

الخبير القانونى الدولى والمحامى بالنقض رجب السيد قاسم  

 

الانتحار والتحريض عليه في التشريعات العربية

 

وفى سياق أخر - يقول الخبير القانوني الدولى والمحامى بالنقض رجب السيد قاسم – سنلقى الضوء هنا على كيفية مواجهة المجتمعات العربية وعلى رأسهم الدولة المصرية لظاهرة الانتحار من الناحية القانونية حيث بذلت الدولة العربية مجهودات مضنية في سبيل التصدي لهذه الظاهرة غير معتمدين على التحريم الديني حتى أن أغلب هذه التشريعات جرَّمت التحريض على الانتحار والمساعدة فيه، فأغلبها لم تجرم الانتحار نفسه ولا الشروع فيه حتى لا تقع أعباء أكثر على الشخص عند فشل محاولة انتحاره فيعاود الانتحار مرة أخرى.

 

الإنتحار في القانون المصرى

 

وأوضح "قاسم" في تصريحات خاصة لـ"برلماني": التحريض من الناحية القانونية يعرَّف بأنه: "حمل شخص آخر ومحاولة حثه بأي طريقة كانت على الإقدام على الجريمة"، حيث أن التحريض على الانتحار هو النوع الوحيد من التحريض المجرم على فعل ليس مجرمًا، ويكون التحريض بأية طريقة مثل الكتابة أو التلقين، أما توفير وسائل الانتحار فهي ترقى لأن تكون مساعدة تتعدى التحريض، وفى الحقيقة القانون المصري لا يعاقب على الانتحار لكنه يجرِم التحريض والمساعدة دون الفعل ذاته، وكذا الحال فى القانون الكويتي الممثل بالمادة "158" من قانون الجزاء: «كل من حرض أو ساعد أو اتفق على الانتحار وانتحر يعاقب بالحبس لمدة لا تجاوز 3 سنوات وغرامة لا تجاوز 3 آلاف روبية "وهي العملة المتداولة في بعض القوانين" أو بإحدى هاتين العقوبتين.

 

جججسس

 

الانتحار فى سوريا والعراق  

 

ويؤكد "قاسم": وكذا الأمر فى القانون السوري، إلا أنه أخذ بظرف التخفيف من مسؤولية القاتل في حالة الإشفاق في المادة رقم "528" من قانون العقوبات، إذ "يُعاقَب بالسجن 10سنوات على الأكثر من قتل إنسانًا قصدًا بعامل الإشفاق بناءً على إلحاحه بالطلب"، وبخاصة في حالات المرض المستعصي، فقد وجد المُشرع السوري هنا أن دافع القتل إنساني إشفاقًا على طالب الموت فخفف العقوبة.

 

 

ويضيف: الفقرة "3" من المادة "408" من قانون العقوبات العراقي تنص بشكل صريح على عدم تجريم الشروع في الانتحار بأنه: "لا عقاب على من شرع في الانتحار"، لكن المُشرِّع العراقي في المادة رقم "408" الفقرة "1" فرض عقوبة السجن مدة لا تزيد على 7 سنوات لكل من حرض على الانتحار أو ساعد فيه، كما أن القانون يشترط في بعض الأحيان وقوع "الانتحار" وقتل النفس حتى تتم معاقبة المحرض والمساعد كما في القانون الكويتي والسوري والعراقي، وفصّل القانون السوري هذا الأمر؛ إذ يعاقب المحرض والمساعد حتى لو لم يقع الانتحار لكن نجم عنه إيذاء أو عجز دائم، وذلك في المادة "539" من قانون العقوبات، وشدد القانون العراقي العقوبة على المحرض والمساعد إذا كان المنتحر قاصرًا لم يُتم الثامنة عشرة من عمره أو ناقص الإدراك والإرادة، أما إذا كان فاقدًا لهما، فيعاقب المحرض والمساعد بعقوبة القتل العمد أو الشروع فيه.  

 

حححسس

 

القانون الأردني

 

أما في القانون الأردني فإن الشروع في الانتحار لا يعاقب عليه إلا إذا كان عسكريًا وفعل ذلك للهروب من خدمته العسكرية.

 

فلسفة المشرع بشأن عدم تجريم "الانتحار" و"الشروع فيه"

 

تدور فلسفة المشرِع بشأن عدم تجريم "الانتحار" و"الشروع فيه" حول أمرين هامين، فالمنتحر قد انتهت حياته، ولذلك تسقط عنه أية عقوبة قانونية، أما من يشرع في الانتحار فهو فاقد للأمل يائس من الحياة لأي سبب كان، سواء كان ضغطًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو نفسيًا، فلا يرى المُشرِع هنا أنه من المنطقي معاقبته على يأسه بما يزيد منه، بل تجب مساعدته، كما أنه عدّ الموت وسيلة نجاة، فلا فائدة من معاقبته بعقوبة أخرى – الكلام لـ"قاسم".

 

بينما تشريعات عربية أخرى اتخذت منحى آخر في هذا الشأن، فعاقبت على الشروع في الانتحار، مثل القانون العماني الذي ينص على أنه: "يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر وبالغرامة التي لا تزيد عن ثلاثة آلاف ريال عماني أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من شرع في الانتحار بأن أتى فعلًا من الأفعال التي تؤدي إلى الوفاة عادةً"، وكل من شرع في الانتحار بأن أتى فعلًا من الأفعال التي قد تؤدي إلى وفاته يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة واحدة أو بغرامة.

حححيي
 

 

 

الأكثر قراءة



print