لازالت مناقشات ومقترحات مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد تتصدر المشهد السياسي في الوقت الراهن، بسبب مطالبات أحزاب وقوى سياسية بتعديلات لذي لم يتم تغييره منذ قرابة 74 عامًا، حيث تشهد الجلسة العامة لمجلس النواب، استمرار مناقشة تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الشئون الدستورية والتشريعية، ومكتب لجنة حقوق الإنسان، عن مشروع قانون الإجراءات الجنائية، الذي أعدته اللجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة الشئون الدستورية والتشريعية من حيث المبدأ.
245 مادة من مواد مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، لازالت تشغل اهتمام الحقوقيون والدستوريون، خاصة وأن العدالة الجنائية تعتبر حجر الأساس فى بناء دولة القانون والمؤسسات، حيث تهدف إلى تحقيق العدالة للمجتمع وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم، ومن هذا المنطلق يأتى مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد ليعكس التزام الدولة بتطوير التشريعات بما يتماشى مع المستجدات المجتمعية والتحديات القانونية والواقعية، التى يواجهها النظام القضائى.
لماذا أصبحت المادة (69) من مشروع قانون الإجراءات الجنائية في "وش المدفع"؟
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على مشروع قانون الإجراءات الجنائية المصري الجديد بين الواقع والمأمول، حيث تبرز أهمية قانون الإجراءات الجنائية من كونه المعني بتنظيم الإجراءات التي يجب اتباعها في التحقيق والمحاكمة والفصل في القضايا الجنائية، لذا يعتبر بمثابة حماية لحقوق وحريات المواطنين، فقد صدر القانون الحالي في أكتوبر من عام 1950، وخضع لتعديلات عدة خلال السنوات الماضية - بحسب الدكتور أحمد الدابى، أستاذ القانون العام، وعضو لجنة فحص المنازعات بالهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.
في البداية – هناك العديد من مواد القانون التي أثارت الخلاف ولا تزال في مشروع قانون الإجراءات الجنائية، وذلك على النحو التالي – وفقا لـ"الدابى":
تنص المادة (69) من مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد على أنه: "يجوز للمتهم والمجني عليه والمدعي عليه بالحقوق المدنية والمسئول عنها ووكلائهم أن يحضروا جميع إجراءات التحقيق، ويجوز لعضو النيابة العامة أن يجري التحقيق في غيبتهم متى رأى ضرورة ذلك لإظهار الحقيقة، وفور الانتهاء من تلك الضرورة يمكنهم الاطلاع على التحقيق، وله في حالة الاستعجال أن يباشر بعض إجراءات التحقيق في غيبة الخصوم، ولهؤلاء الحق في الاطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات. ويحق للخصوم اصطحاب وكلائهم في التحقيق".
باستقراء المادة السابقة يتبين أنها اشتملت على بعض المثالب تمثلت في النقاط التالية:
تقييد حقوق الدفاع وحضور التحقيق:
تنص المادة على جواز حضور المتهم والمجني عليه والمدعي بالحقوق المدنية ووكلائهم جميع إجراءات التحقيق، وهو ما يعكس احتراماً لحقوق الدفاع، ومع ذلك، فإن الفقرة تسمح لعضو النيابة العامة بإجراء التحقيق في غيابهم إذا رأى ضرورة ذلك لإظهار الحقيقة، وهذا قد يُعتبر تقييداً لحقوق الدفاع - من الناحية الفقهية - يجب أن تكون حالات "الضرورة" محددة بوضوح وبشكل صارم لتجنب إساءة استخدام هذه الصلاحية، إذ يمكن أن يؤدي السماح بإجراء التحقيق في غياب الأطراف المعنية إلى إضعاف فرص الدفاع والتسبب في عدم توازن بين أطراف الدعوى – الكلام لـ"الدابى".
الغموض في مفهوم "الضرورة":
استخدام مصطلح "الضرورة" هنا غير محدد ويترك مجالاً واسعاً للتأويل في الفقه الجنائي، فيجب أن يكون هناك تعريف دقيق ومحدد للظروف التي يمكن أن تُعتبر "ضرورية" بما يبرر غياب الأطراف عن إجراءات التحقيق، حيث أن عدم وضوح هذا المفهوم قد يؤدي إلى تعسف في استخدام الصلاحيات من قبل السلطات التحقيقية – هكذا يقول "الدابى".
الحق في الاطلاع بعد الإجراءات:
تشير المادة إلى أنه: "فور الانتهاء من تلك الضرورة يمكنهم الاطلاع على التحقيق"، هذا يعني أن الاطلاع مؤجل حتى انتهاء "الضرورة"، مما قد يؤخر تقديم الدفاع بشكل مناسب أو الاعتراض على إجراءات معينة، ومن الناحية الفقهية، يجب أن يكون للمتهم ووكلائه الحق في الاطلاع الفوري والمباشر على كل الإجراءات، لضمان تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الدفاع والنيابة العامة – طبقا للخبير القانونى.
التساهل في حالات "الاستعجال":
المادة تمنح عضو النيابة العامة الحق في مباشرة بعض إجراءات التحقيق في غياب الخصوم في حالة "الاستعجال"، مع السماح لهم بالاطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات لاحقاً. هذا الإجراء يمكن أن يكون مفهوماً في حالات الاستعجال الشديد، لكن دون تعريف واضح لمفهوم "الاستعجال"، قد يصبح هذا النص أداة لتقييد حقوق الدفاع بدون مبرر كافٍ.
عدم وجود ضمانات كافية:
المادة تفتقر إلى النص على ضمانات واضحة لمنع إساءة استخدام الصلاحيات الممنوحة لعضو النيابة العامة، ومن الناحية الفقهية، يجب أن تكون هناك ضمانات صارمة لتقييد هذه السلطات، مثل ضرورة موافقة قاضٍ على إجراءات التحقيق في غياب الخصوم أو إلزام عضو النيابة بتقديم تبريرات كتابية ومحددة لهذا الغياب.
الحق في اصطحاب الوكلاء:
تنص المادة على حق الخصوم في اصطحاب وكلائهم في التحقيق، وهو أمر يتماشى مع المبادئ العامة للعدالة، ومع ذلك، يجب التأكد من أن هذا الحق يتمتع بحماية كاملة وغير مقيد بشروط غير ضرورية قد تعيق حقوق الدفاع.
مدى مخالفة المادة (69) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد للدستور:
المادة (69) من قانون الإجراءات الجنائية تنص على جواز حضور المتهم والمجني عليه والمدعي بالحقوق المدنية ووكلائهم جميع إجراءات التحقيق، ولكنها تمنح عضو النيابة العامة الحق في إجراء التحقيق في غيابهم في حالات "الضرورة" أو "الاستعجال"، مع إتاحة الاطلاع على التحقيق بعد ذلك.
أوجه مخالفة المادة السالفة لما نص عليه دستور 2014م:
حق الدفاع المكفول دستورياً:
الدستور المصري يضمن حق الدفاع بوصفه حقاً أساسياً لا يمكن التنازل عنه، حيث تنص المادة (98) من الدستور المصري على أن: "حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول. ويكفل القانون لغير القادرين مالياً وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم".
المادة (69) من مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، بمنحها النيابة العامة الحق في إجراء التحقيق في غياب المتهم ووكلائه بحجة "الضرورة" أو "الاستعجال"، قد تتعارض مع هذا المبدأ الدستوري إذا لم تكن الضرورات والاستعجالات محددة بوضوح ومقننة بشكل يمنع التعسف. فالأصل في الإجراءات الجنائية هو علنية الإجراءات وتمكين المتهم من الدفاع عن نفسه، وغياب المتهم أو وكيله قد يؤدي إلى تقييد هذا الحق.
مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص:
الدستور ينص في المادة (53) على أن: "المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم"، حيث أن تطبيق المادة (69) من مشروع القانون دون معايير واضحة ومحددة قد يخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين أطراف الدعوى، إذ يمكن للنيابة العامة أن تجري تحقيقاتها في غياب المتهم أو وكلائه، مما قد يعطي النيابة العامة أفضلية غير مبررة.
حق المتهم في محاكمة عادلة:
تضمن المادة (96) من الدستور المصري أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تُكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه...". السماح بإجراء التحقيقات في غياب المتهم ووكلائه، حتى لو كان بإمكانهم الاطلاع على التحقيق بعد ذلك، قد يُعتبر إخلالاً بضمانات المحاكمة العادلة إذا أدى إلى تقليص فرصتهم في الدفاع أو تقديم الأدلة المضادة في الوقت المناسب.
المساس بمبدأ الشفافية والعلانية:
الدستور المصري يضمن الشفافية والعلانية في الإجراءات القضائية كجزء من ضمانات العدالة، المادة (69) من مشروع القانون التي تسمح بإجراء التحقيقات في غياب الأطراف المعنية، قد تُعتبر مخالفة لهذا المبدأ إذا لم يكن هناك تبرير كافٍ ومحدد لغياب العلنية والشفافية.
الحق في الاطلاع الفوري:
المادة (69) من مشروع القانون تُؤخر حق الأطراف في الاطلاع على التحقيقات إلى ما بعد انتهاء "الضرورة" أو "الاستعجال"، مما قد يتعارض مع حق الأطراف في الاطلاع الفوري والمباشر على الإجراءات التي تؤثر على حقوقهم، كما ينص عليه مبدأ العدالة والإنصاف.
الخلاصة:
وفى الأخير يقول "الدابى": لما كان ما سبق، فإن المادة (69) من مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد قد تعكس توازناً بين حقوق الأطراف المختلفة في الدعوى واحتياجات التحقيق، لكنها تعاني من بعض الغموض والتقييد غير المبرر لحقوق الدفاع، ونرى نحن ضرورة تعديل المادة محل البحث بحيث يُحظر على النيابة العامة مباشرة التحقيق دون حضور المتهم أو وكيله، لأن عدم الأخذ بذلك الرأي فيه تعارض مع الدستور في بعض الجوانب المتعلقة بحق الدفاع والعدالة والمساواة، كما أن تحقيق التوازن بين فعالية التحقيق الجنائي وضمان حقوق الأطراف يتطلب مزيداً من الدقة التشريعية والضمانات القانونية.